أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

544

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما قاله أبو البقاء : « أن يكون ضمير الوطء الممنوع » وكأنه يقول : إن السياق يدلّ عليه وإن لم يجر له ذكر . الثاني : أن يعود على المحيض ، قال أبو البقاء : « ويكون التقدير : « هو سبب أذى » ، وفيه نظر ، فإنّهم فسّروا الأذى هنا بالشيء القذر ، فإذا أردنا بالمحيض نفس الدم كان شيئا مستقذرا فلا حاجة إلى تقدير حذف مضاف . وجاء : « ويسألونك » ثلاث مرات بحرف العطف بعد قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ « 1 » وهي : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ « 2 » ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى « 3 » وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ « 4 » . وجاء « يسألونك » أربع مرات من غير عطف : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ « 5 » يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ « 6 » يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ « 7 » يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ « 8 » . فما الفرق ؟ والجواب : أنّ السؤالات الأواخر وقعت في وقت واحد فجمع بينها بحرف الجمع وهو الواو ، أمّا السؤالات الأول فوقعت في أوقات متفرقة ، فلذلك استؤنفت كلّ جملة ، وجيء بها وحدها . قوله : حَتَّى يَطْهُرْنَ « حتى » هنا بمعنى « إلى » والفعل بعدها منصوب بإضمار أن ، وهو مبنيّ لاتصاله بنون الإناث . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بتشديد الطاء والهاء ، والأصل : يتطهّرن ، فأدغم . والباقون : « يطهرن » مضارع طهر . قالوا : وقراءة التشديد معناها يغتسلن ، وقراءة التخفيف معناها ينقطع دمهنّ . ورجّح الطبري قراءة التشديد وقال : « هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على تحريم قربان الرجل امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر ، وإنما الخلاف في الطهر ما هو ؟ هل هو الغسل أو الوضوء أو غسل الفرج فقط ؟ » قال ابن عطية : « وكلّ واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء ، وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه . قال : « وما ذهب إليه الطبري من أنّ قراءة التشديد مضمّنها الاغتسال ، وقراءة التخفيف مضمّنها انقطاع الدم أمر غير لازم ، وكذلك ادعاؤه الإجماع » وفي ردّ ابن عطية عليه نظر ؛ إذ لو حملنا القراءتين على معنى واحد لزم التكرار . ورجّح الفارسي قراءة التخفيف لأنها من الثلاثي المضادّ لطمث وهو ثلاثي . قوله : مِنْ حَيْثُ في « من » قولان : أحدهما : أنّها لابتداء الغاية ، أي : من الجهة التي تنتهي إلى موضع الحيض . والثاني : أن تكون بمعنى « في » ، أي : في المكان الذي نهيتم عنه في الحيض . ورجّح هذا بعضهم بأنه ملائم لقوله : « فاعتزلوا النساء في المحيض » ، ونظّر بعضهم هذه الآية بقوله : « لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ » « 9 » « ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ » « 10 » أي : في يوم الجمعة وفي الأرض . قال أبو البقاء : « وفي الكلام حذف تقديره : أمركم اللّه

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 219 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 219 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 220 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 222 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 189 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 215 ) . ( 7 ) سورة البقرة ، آية ( 217 ) . ( 8 ) سورة البقرة ، آية ( 219 ) . ( 9 ) سورة الجمعة ، آية ( 9 ) . ( 10 ) سورة فاطر ، آية ( 40 ) .